ابن الجوزي

184

زاد المسير في علم التفسير

خلص إليهم الكرب ، وكان نعيم بن مسعود الأشجعي قد أسلم ، فمشى بين قريش وقريظة وغطفان فخذل بينهم ، فاستوحش كل منهم من صاحبه ، واعتلت قريظة بالسبت فقالوا : لا يقاتل فيه ، وهبت ليلة السبت ريح شديدة ، فقال أبو سفيان : يا معشر قريش ، إنكم والله لستم بدار مقام ، لقد هلك الخف والحافر ، وأجدب الجناب ، وأخلفتنا قريظة ، ولقينا من الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، فأصبحت العساكر قد أقشعت كلها ، قال مجاهد : والريح التي أرسلت عليهم هي الصبا ، حتى أكفأت قدورهم ، " ونزعت فساطيطهم . والجنود : الملائكة ، ولم تقاتل يومئذ . وقيل : إن الملائكة جعلت تقلع أوتادهم وتطفئ نيرانهم وتكبر في جوانب عسكرهم ، فاشتدت عليهم ، فانهزموا من غير قتال . قوله تعالى : ( لم تروها ) وقرأ النخعي ، والجحدري ، والجوني ، وابن السميفع : " لم يروها " بالياء ( وكان الله بما تعملون بصيرا ) وقرأ أبو عمرو : " يعملون " بالياء . إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا ( 10 ) هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا ( 11 ) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ( 12 ) قوله تعالى : ( إذ جاؤوكم من فوقكم ) أي : من فوق الوادي ومن أسفله ( وإذا زاغت الأبصار ) أي : مالت وعدلت ، فلم تنظر إلى شئ إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب ( وبلغت القلوب الحناجر ) وهي جمع حنجرة . والحنجرة : جوف الحلقوم . قال قتادة : شخصت عن مكانها ، فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت . قال غيره : المعنى أنهم جبنوا وجزع أكثرهم ، وسبيل الجبان إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته فيرتفع حينئذ القلب إلى الحنجرة ، وهذا المعنى مروي عن ابن عباس والفراء . وذهب ابن قتيبة إلى أن المعنى : كادت القلوب تبلغ الحلوق من الخوف وقال ابن الأنباري : " كاد " لا يضمر ولا يعرف معناه إذا لم ينطق به . قوله تعالى : ( وتظنون بالله الظنونا ) قال الحسن : اختلفت ظنونهم ، وظن المنافقون أن محمدا [ عليه السلام ] وأصحابه يستأصلون ، وظن المؤمنون أنه ينصر .